سيد قطب

1244

في ظلال القرآن

إن موضوع سورة الأنعام هو العقيدة . وموضوع سورة الأعراف هو العقيدة . . ولكن بينما سورة الأنعام تعالج العقيدة في ذاتها ؛ وتعرض موضوع العقيدة وحقيقتها ؛ وتواجه الجاهلية العربية في حينها - وكل جاهلية أخرى كذلك - مواجهة صاحب الحق الذي يصدع بالحق ؛ وتستصحب معها في هذه المواجهة تلك المؤثرات العميقة العنيفة الكثيرة الموفورة التي تحدثنا عنها إجمالا وتفصيلا ونحن نقدم السورة ونستعرضها - في الجزء السابع وفي هذا الجزء أيضا - ووقفنا أمامها ما شاء اللّه أن نقف . . بينما سورة الأنعام تتخذ هذا المنهج ، وتسلك ذلك الطريق . . نجد سورة الأعراف - وهي تعالج موضوع العقيدة كذلك - تأخذ طريقا آخر ، وتعرض موضوعها في مجال آخر . . إنها تعرضه في مجال التاريخ البشري . . في مجال رحلة البشرية كلها مبتدئة بالجنة والملأ الأعلى ، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها . . وفي هذا المدى المتطاول تعرض « موكب الإيمان » من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - تعرض هذا الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ . يواجه بها البشرية جيلا بعد جيل ، وقبيلا بعد قبيل . . ويرسم سياق السورة في تتابعه : كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى ؟ كيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته ؟ كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى اللّه ؟ وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة . . إنها رحلة طويلة طويلة . . ولكن السورة تقطعها مرحلة مرحلة ، وتقف منها عند معظم المعالم البارزة ، في الطريق المرسوم . ملامحه واضحة ، ومعالمه قائمة ، ومبدؤه معلوم ، ونهايته مرسومة . . والبشرية تخطو فيه بجموعها الحاشدة . ثم تقطعه راجعة . . إلى حيث بدأت رحلتها في الملأ الأعلى . . لقد انطلقت هذه البشرية من نقطة البدء ، ممثلة في شخصين اثنين . . آدم وزوجه . . أبوي البشر . . وانطلق معهما الشيطان . مأذونا من اللّه في غوايتهما وغواية ذراريهما ومأخوذا عليهما عهد اللّه وعلى ذراريهما كذلك . ومبتلي كلاهما وذراريهما معهما بقدر من الاختيار ؛ ليأخذوا عهد اللّه بقوة أو ليركنوا إلى الشيطان عدوهم وعدو أبويهم الذي أخرجهما من الجنة ؛ وليسمعوا الآيات التي يحملها إليهم ذلك الرهط الكريم من الرسل على مدار التاريخ ، أو يسمعوا غواية الشيطان الذي لا يني يجلب عليهم بخيله ورجله ، ويأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم ! انطلقت البشرية من هناك . . من عند ربها سبحانه . . انطلقت إلى الأرض . تعمل وتسعى ، وتكد وتشقى ، وتصلح وتفسد ، وتعمر وتخرب ، وتتنافس وتتقاتل ، وتكدح الكدح الذي لا ينجو منه شقي ولا سعيد . . ثم ها هي ذي تؤوب ! ها هي ذي راجعة إلى ربها الذي أطلقها في هذا المجال . . ها هي ذي تحمل ما كسبت طوال الرحلة المرسومة . . من ورد وشوك . ومن غال ورخيص ، ومن ثمين وزهيد ، ومن خير وشر ، ومن حسنات وسيئات . ها هي ذي تعود في أصيل اليوم . . فقد انطلقت في مطلعه ! . . وها نحن أولاء نلمحها من خلال السياق في السورة موقورة الظهور بالأحمال - أيا كانت هذه الأحمال - ها هي ذي عائدة إلى ربها بما معها . . تظلع في الطريق ، وقد بلغ منها الجهد وأضناها المسير . حتى إذا عادت إلى نقطة المنطلق وضع كل منها حمله أمام الميزان ، ووقف يرتقب في خشية ووجل . . إن كل فرد قد عاد بحصيلته فردا . . وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ! وكل فرد على حدة يلاقي حسابه ، ويلقى جزاءه . . ويظل سياق السورة يتابع أفواج البشرية ، فوجا فوجا . إلى جنة أو إلى نار . حتى تغلق الأبواب التي فتحت لاستقبال المغتربين العائدين . فقد كانوا هنا لك في هذه الأرض مغتربين : « كما